الفاعلية والإبداع : مفهوم الشغل - philoone


مفهوم الشغل




تقديم اشكالي :

بسبب احتكاره للتكنولوجيا والعلوم ، فإن الإنسان قادر على توسيع سيطرته على الطبيعة ، لذلك يستخدم خبرته ومهاراته لتطوير مجال عمل يسمح له بتحويل الطبيعة إلى شكل يرضيه ويعزز حياته.

   ينعكس تطور العمل في الارتباط بالتخطيط المسبق ، الذي يقوم على الوعي ، والذي يعزز أيضًا فكرة أن العمل هو خاصية إنسانية ، بحيث يمكن للبشر مع تطور العصر تقسيمه وتحويله. إلى قطع من ناحية ، فإنه يوفر العمل والوقت ، ومن ناحية أخرى ، فإنه يضمن الدقة. إلا أن التركيز على أبعاد ذات طبيعة ربحية بحتة يتجاهل البعد الإنساني المرتبط بعلاقة التنمية والقيم هذه ، حيث ينعكس ذلك في التواجد القوي للآلات في عملية الإنتاج وتقسيم المهام على عكس البشر ، الأمر الذي أثار قضية العمالة التي تحرم العمال من حريتهم. هل العمل سمة بشرية؟ ما هو تأثير انقسامها على البشرية؟ هل يدفع الإنسان إلى التحرر أم يحرمه من حريته؟


المحور الأول: الشغل صفة إنسانية

1) اشكال المحور:

بالنظر إلى الأنشطة التي تقوم بها الحيوانات المختلفة ، سواء كان ذلك للعثور على سبل العيش ، أو بناء مأوى ، أو حماية بقائها ، فإن فكرة قيام البشر بالعمل تبدو غير مرضية على الإطلاق ، وهذه الحقيقة تدفع إلى طرح الأسئلة التالية:

  على أي أساس يمكن اعتبار العمل خاصية إنسانية؟ أليس من الممكن الحديث عن العمل كحيوان؟ ما الذي يميز الإنسان كعامل عن الحيوان  المكافح؟



2) الشغل كسلوك/كفعل انساني

1. تحليل النص:

تحليل نص "كارل ماركس" ، كتاب مدرسي ، صفحة 97.

أ) أطروحة النص:

العمل سمة تميز الإنسان عن الآخرين لأنه يرتبط بالوعي كتخطيط مسبق ، بينما يظل النشاط الحيواني مقصورًا على الغريزة.

ب) البنية الحجاجية:

يعتمد صاحب النص على عدد من طرق الجدل ، بما في ذلك:

× اسلوب التعريف: من أجل تعريف العمل ، يبدأ ماركس من تعريفين:

> أولاً: العمل هو سلوك الإنسان لتغيير الطبيعة حسب قدرته الطبيعية ، وهنا النشاط المشترك للإنسان والحيوان.

> الثاني: العمل يتعلق بالوعي الذي يمكن للإنسان إظهاره نفسياً قبل تحويله إلى حقيقة. وبهذا المعنى ، فهي تقوم على التخطيط الواعي والهادف.

بهذه الطريقة ، يصبح التمييز بين التعريف السطحي للعمل (الذي لا يميز بين الناس والآخرين) والتعريف الأساسي (الذي يربط العمل بالفكر ويجعل العمل سمة للشخص).

× طريقة المقارنة: يقارن المؤلف عمل العنكبوت بعمل الحائك وعمل النحلة بعمل المهندس.

إثبات أن عمل الحيوانات ، رغم أنها حققت درجة عالية من الدقة ، لا يزال يدور حول الغريزة ، بينما عمل الإنسان يد ور حول التخطيط المسبق.

ج) إستنتاج:

ومن هذا النص نستنتج أن العمل بمعناه الخاص هو مفهوم إنساني بامتياز ، وهذا يفسر قدرة الإنسان على تطويره باستمرار لتحقيق نتائج أفضل.


       ثانيًا: المناقشة:

 * موقف جيلبرت هاتوي.

   يرتبط العمل بالقيم الإنسانية ، لذلك لم يعد يتعلق فقط بتلبية الاحتياجات والاستمرارية ، بل يتعدى ذلك إلى مستويات أعلى.

   بهذه الطريقة ، يؤمن جيلبرت هوتا بأن العمل يعطي قيمة ومعنى لحياة الفرد والمجتمع لأنه يديم القيم التي يقوم عليها الوجود البشري ، ويمنح الحرية الفردية والاستقلالية ، ويسمح بممارسة الحقوق الاجتماعية. طالما أنه يخضع لالتزاماته تجاه أفر اد مجتمعه.

  

         ثالثا:خلاصة تركيبية:

يتضح من الموقفين الأولين أن العمل هو سمة من سمات الإنسان ، سواء من حيث ارتباطه بالقدرات العقلية والفكرية التي تسمح بالتفكير والتخطيط ، أو بالقيم التي يكتسبها الإنسان من خلاله ممارسة للشغل. 


المحور الثاني : تقسيم الشغل

   1) تشكيل المحور:

  يعتبر تقسيم العمل من أهم مظاهر مجال التنمية البشرية ، حيث ينقسم العمل إلى مجموعة من المهام ، وكل مهمة تنقسم إلى مجموعة من التخصصات ، مما ينتج عنه نتائج ظاهرة. ما الذي يحفز الناس على التفكير في تقسيم العمل بالنسبة للأفراد والمجتمعات؟ كيف يؤثر هذا الانقسام على البشرية؟

 2) الدافع وتأثير تقسيم العمل:

موقف أفلاطون:

   تتمثل المهمة الرئيسية لبناء أمة في تلبية احتياجات الأفراد ، حيث تتنوع الاحتياجات ، فمن الضروري التفكير في تقسيم العمل إلى مجموعة من المهام ، كل شخص يؤدي مهمة ، وبالتالي يكون العمل بجودة أعلى وأسرع بالنسبة لـ الممارسين. أسرع وأسهل. العمل من الأسس التي تقوم عليها الأمة لما له من آثار جيدة على الفرد. كلما كرس الفرد نفسه للمهام التي تسمح بها قدراته ومهاراته وتناسب طبيعته ، كلما كان المجتمع أكثر عدلاً وازدهارًا.

موقف إيميل دوركايم:

   يرى السوسيولوجي دوركايم أن وجود الفرد مرهون بوجود مجتمع متماسك يلبي حاجيات أفراده، وبذلك يشعر الفرد باالإمتنان تجاه مجتمعه، فتتولد عن ذلك ضرورة التضحية التي يستوجبها بقاء واستمرارية النشاطات الاجتماعية.

   انطلاقا من ذلك جاءت فكرة تقسيم العمل بين الأفراد، ليتمكن كل فرد من الانخراط الفعال في المجتمع. فكانت لهذا التقسيم نتائج كبيرة على مستوى الوظائف والمهام، التي تطورت بفعل المنافسة وأصبحت أكثر مردودية، كما يساهم هذا التقسيم في التماسك الاجتماعي، إذ يصبح الفرد بمثابة عضو في جسم كبير، يستقي منه أسباب جوده ويقدم مقابل ذلك خدمات تضمن استمرارية هذا الوجود.

موقف جورج فريدمان:

     يرى فريدمان أن تقسيم الشغل انعكس سلبيا على الإنسان، ذلك أن تجزيء الشغل إلى مجموعة من العمليات البسيطة، وتوكيل مهمة إنجاز هذه العمليات للآلة، جعل الإنسان لا يشارك في عملية الإنتاج، ولا يبرز ذكاءه في ورشة العمل، بقدر ما ينجز عمليات متكررة وفارغة من أية قيمة فكرية أو إبداعية، بالتالي تم فصل التفكير عن العمل، في ظل نظام يجعل عملية التفكير والتخطيط تتم خارج ورشة العمل.          

    فإذا كان تقسيم الشغل قد حقق النتائج المادية المتوقعة منه، فإن ذلك كان على حساب دور الإنسان ومكانته، لأن العامل لم أصبح مجرد وسيلة تسخرها الآلة في بعض المهام البسيطة.


3)خلاصة تركيبية:

        انعكس تقسيم الشغل بشكل إيجابي على عملية الإنتاج، كونه عمل على الرفع من وتيرة الإنتاج وجودة المنتوج، لكن هذا الوجه الإيجابي قد لا تكون له قيمة أمام الانعكاس السلبي لهذا التقسيم على الإنسان كقيمة فكرية، وكطاقة إبداعية، فلكي يرفع الإنسان من مستوى الربح، اضطر ليحط من قيمته، في ظل تعويض اليد العاملة بالآلة، وفصل عمليات التفكير والتخطيط عن العمل، الأمر الذي أبرز قساوة تقسيم الشغل.


المحور الثالث: الشغل بين الحرية والاستلاب.

   1)إشكال المحور:

   يحقق الشغل نتائج مادية باهرة، كونه يخول للفرد فرصة تطوير  ملكاته الإبداعية والذهنية، وكذا تطوير المجتمع والمساهمة في ازدهاره، لكن عندما نتأمل الشغل كنظام دقيق وصارم لا ينجح إلا بتفاني العمال والتضحية بوقتهم وجهدهم وراحتهم، تصبح الصورة التي رسمناها في البداية باهتة ولا تعبر عن واقع الشغل بشكل دقيق.

   فهل يمكن اعتبار الشغل عامل من عوامل استلاب ح الإنسان؟ هل يمكن اعتبار النظام الذي يفرضه رب العمل على العامل حدا من حريته واستعبادا له؟ أم أن الشغل هو المجال الذي يبرز فيه الفرد ذاته، ويحقق حريته؟


   2)الشغل من الاستلاب إلى التحرر:

موقف ج.ج روسو:

     يرى جون جاك روسو  أن الإنسان كسول بطبعه، يميل إلى الراحة ويتجنب كل ما يسبب لها المشقة والتعب، وهذا هو السبب الذي يدفعه إلى الشغل، فهو يسعى من خلاله إلى بلوغ سبل الراحة، والتخلص من المشقة التي تفرضها عليه الطبيعة. وبذلك فالشغل في ذاته ليس مطلبا للإنسان، لأنه يقيده ويحول دون حريته، لكنه ضروري لضمان أسباب الراحة وتجنب الأخطار. انطلاقا من ذلك يمكن اعتبار  الشغل سلبيا في ذاته، لكنه إيجابي بالنظر  إلى نتائجه والثمار التي يجنيها الإنسان من ورائه.

موقف فريدريك نيتشه:

   يعمل الشغل حسب نيتشه على قتل الملكات الفكرية والطاقات الإبداعية للإنسان، فهو  يدفع الإنسان إلى الانخراط في عمل شاق لا يتلاءم مع إنسانيته بقدر ما يحول دون تطوره والإعلاء من شخصيته. فقد شبه نيتشه الشغل بالشرطي الأمثل، الذي يراقبك طال اليوم ليحول دون تحررك. وسبب تمجيده ومدحه حسبه راجع إلى الخوف من تفرد الفرد وتمرده على النمطية المريحة للمجتمع، فمن أجل خلق مجتمع متماسك كان لابد من تمجيد الشغل وحث الأفراد على الانخراط فيه، مع أن الإنسان يهدر فيه طاقاته مقابل الحصول على مآرب طبيعية وتلبية حاجات غريزية.

موقف ج.ب. سارتر:

     يرى سارتر أن الشغل يبدو  في البداية استلابا لحرية الفرد، عندما يكون كغاية يسعى إليها لتحقيق حاجياته والارتقاء بحياته، لكن حقيقة الأمر أن العامل هو جوهر عملية الإنتاج، لذلك كان إدراكه للدور الذي يقوم به في هذه العملية كفيلا ببداية مسيرته نحو التحرر. فالشغل الذي كان استلابا يمكن أن يصبح أداة تحرر عندما يدرك العمال أهميتهم في عملية الانتاج، لأن ذلك سيدفعهم إلى وضع الشروط الملائمة لهم، والاشتغال وفق ما يخدم مصالحهم, بدل الخضوع لشروط رب العمل. فعن طريق الشغل والإنتاج استطاع الإنسان تغيير التاريخ.


   3)خلاصة تركيبية:

        يمكن القول انطلاقا مما سبق أن الشغل استلاب لحرية الفرد من جهة، كونه عمل شاق يضطر الإنسان إلى الخضوع لشروطه من أجل تلبية حاجاته والارتقاء بحياته. لكنه من جهة أ خرى يعد مصدر قوة للفرد، وأداة لتحريره من القيود.



إرسال تعليق

أحدث أقدم