مجزوءة السياسة : مفهوم العنف
تقديم:
جسدت الطبيعة البشرية تاريخيًا ميله إلى العنف ، ولجأ الفلاسفة والأنثروبولوجيون إلى شرح العنف البشري من خلال الرد على الغرائز والغرائز البشرية التي تشمل نوعًا من الوحشية والعدوان. وقد تجلى ذلك في أشكال عديدة عبر التاريخ ، بما في ذلك العنف الجسدي والرمزي والنفسي ...
إن تطور العنف في حياة الإنسان موازٍ لجميع جوانب التنمية ، لذلك وضع البشر معارفهم وتقنياتهم الخاصة في تطوير وسائل العنف ، مما أدى إلى وسائل متطورة للتدمير والدمار ، والعنف في جميع المجالات. شكل.
ولكن بينما يعتبر العنف تعبيرًا عن حالة حيوانية لطالما أراد الإنسان احتوائها والقضاء عليها ، فإن الحاجة إلى حماية أرواح الأفراد وإرساء السلامة تضفي الشرعية على العنف ولا تتعارض مع القيم والقيم ومبادئ الحضارة الإنسانية.
المحور الأول: أشكال العنف.
1) إشكال المحور:
يدل العنف على الوسائل التي يمكن اتخاذها لإلحاق الضرر بالآخر من أجل السيطرة عليه، ويتخذ عدة أشكال تختلف عن بعضها في قوة التأثير ومجالات الاستعمال. فما أشكال العنف؟ هل يتجلى في صورة مادية فقط؟ أم أنه يتخذ أشكالا أخرى؟
2) العنف المادي والعنف الرمزي:
أ) موقف كارل كلوزفيت C.V.Clausewitz "في رحاب الفلسفة" ص 148.
إن الحرب هي الشكل الأكثر بروزا للعنف المادي، فهي تعبر عن الاقتتال والمواجهة لتتغلب قوة على قوة بغاية السيطرة. فالحرب بهذا المعنى هي فعل ناجم عن استعمال القوة من أجل هزم الخصم وإخضاعه لإرادة المنتصر. وقد طور الإنسان وسائل وأساليب الاقتتال، فوظف الصناعة والعلم في سبيل ذلك، للرفع من درجة القوة. فالمنطق الذي يحكم هنا هو الغلبة للأقوى، وهو المنطق الذي يشكل جوهر الحرب الذي لا تؤثر فيه وسائل ومحاولات الحد من الاقتتال، كالمعاهدات والاتفاقيات بين الدول، فهي وإن كانت تخفف من حدة الاقتتال، إلا أنها لا تقضي عليه بشكل نهائي.
ب) موقف بيير بورديو P.Bourdieu "مباهج الفلسفة" ص 143.
إن العنف الرمزي حسب بورديو له من الفاعلية ما يمكن أن يتجاوز الأشكال الظاهرة للعنف، فالعنف الرمزي يمارس بطريقة لطيفة وغير مباشرة، تدفع الضحية إلى الانخراط فيه بمحض إرادتها، فهو عنف لغوي وثقافي وإيديولوجي يتم تمريره من خلال مجموعة من القنوات بطريقة هادئة، للسيطرة والهيمنة على مجموعة بشرية، فتجد الضحايا يقبلون الإكراهات الممارسة عليهم، كأنها مسلمات وجدوا النظام الاجتماعي قائما عليها. ويمكن النظر إلى العنف الرمزي ضد المرأة في المجتمعات الذكورية كنموذج يجسد قوة هذا العنف، والتي تكمن في عدم اعتراف الطرفين به كعنف، فصورة المرأة الضعيفة التي ينبغي أن تخضع للرجل تصبح هي الصورة الطبيعية التي يقتنع الجميع بضرورة الدفاع عنها.
3) خلاصة تركيبية:
اتخذ العنف كما أوضحنا مجموعة من الأشكال، وتلون بعدة ألوان تشكل العدوانية والتوحش قاسمها المشترك، فمهما تعددت أشكاله وأنواعه، يبقى مدفوعا بنفس الأسباب الغريزية المتجذرة في الطبيعة البشرية.
المحور الثاني: العنف في التاريخ.
1) إشكال المحور:
تعددت أشكال العنف وتنوعت مظاهره، فقد اتخذ أشكالا توافقت مع ما وصل إليه الإنسان من تطور علمي وتقني، لكن كيف تولد العنف عبر التاريخ؟ هل له أسباب متنوعة؟ أم أن تنوع مظاهره لا يعكس تنوع أسبابه؟
2) العنف بين الشروط الموضوعية والخصائص الطبيعية:
أ) موقف كارل ماركس C.Marx "مباهج الفلسفة" ص 145.
تجسد العنف تاريخيا في الصراع الطبقي، فمهما اختلفت تجليات هذا الصراع وتنوعت، تبقى الأسباب الكامنة وراءه ثابتة، وتتمثل في الصراع بين طبقات تمتلك وسائل الإنتاج، وأخرى لا تمتلكها، مما يولد سيطرة الأولى على الثانية واستغلالها. وبذلك ينقلب الصراع إلى مواجهة دموية تثور فيها الطبقة المضطهَدة ضد الطبقة المضطهِدة لإعادة توزيع وسائل الإنتاج. من خلال ذلك يبدو بأن العنف نتج عن الملكية الخاصة التي توزع الثروة بطريقة غير عادلة على أفراد المجتمع، وبذلك يكون القضاء عليه مرهونا باستبداد الطبيقة البروليتارية والقضاء على الملكية.
ب) موقف سيغموند فرويد S.Freud "مباهج الفلسفة" ص 145.
العنف متجذر في الطبيعة الإنسانية التي تنطوي على الغرائز الحيوانية، ذلك أن الإنسان يميل بطبعه إلى العدوانية، مما يدفعه إلى فك الصراعات باستخدام القوة، ففي البداية كان الإنسان يستخدم قوته العضلية، ليصبح بعد التطور الذي شهده يوظف الأسلحة والأدوات المتطورة في فك الصراعات، ومهما حاولت الحضارات على مر التاريخ للقضاء على العنف، باءت محاولاتها بالفشل، فقد تعمل على كبحه، لكن لا تستطيع القضاء عليه. إن العنف في التاريخ الإنساني أدى إلى ظهور الحق والقانون كقوة جماعية تمتلك الحق في استعمال العنف ضد من يتطاول على حقوق الآخرين.
3) خلاصة تركيبية:
نخلص من خلال ما سبق إلى أن دوافع ظهور العنف في التاريخ من المسائل التي يصعب تحديدها بدقة، فإذا كان ماركس يعتقد أن العنف ظهر نتيجة لظهور التفاوتات الاقتصادية بين طبقات المجتمع، فإن فرويد يرى بأن العنف متجذر في الطبيعة الإنسانية، وذلك بالنظر إلى النزوعات الغريزية التي تجعل الإنسان عنيفا وعدوانيا بطبعه، وما يهمنا من هذا النقاش، أن العنف ظاهرة لازمت الإنسان عبر التاريخ، لذلك تم البحث عن سبل الحد منه، أو إضفاء صبغة الشرعية عليه، فما علاقة العنف بالمشروعية؟
المحور الثالث: العنف والمشروعية:
1) إشكال المحور:
لازمت الإنسان دوما رغبة في كبح أشكال العنف ومظاهره، مما أدى إلى التفكير في صبغه بصبغة شرعية، في إطار الدولة التي يمنحها الأفراد حق ممارسة العنف، بالتالي تكون الدولة هي الممتلكة لحق ممارسة العنف المشروع في مواجهة العنف اللامشروع.
فما مصادر الشرعية التي تعطى للعنف؟ ألا يمكن أن يكون للأفراد الحق في ممارسة العنف في بعض الحالات؟ هل يمكن تصور حالة اللاعنف وتعميم السلم والصداقة والمحبة في العالم؟
2) من العنف المشروع إلى اللاعنف.
أ) موقف ماكس فيبر M.Wiber "مباهج الفلسفة" ص 149.
العنف وسيلة من وسائل الدولة ، ولا يحق لأحد استخدام العنف ، ولكن إذا كان هناك بنية اجتماعية خالية من العنف ، فإن مفهوم الدولة الذي يقوم على سيطرة الدولة على الفرد ، معتمدا على شرعية. عنف. في هذا الصدد ، يرى ماكس ويبر أن هذه السيطرة مقسمة إلى ثلاثة مصادر: الأمس الأزلي: تأثير التقليد الذي يجبر الأفراد على الخضوع لبعض الاستبداد ، مثل اللورد الإقطاعي. السلطة الكاريزمية: السلطة التي يتمتع بها الشخص ذو الشخصية الفريدة التي تؤثر في الآخرين ، مما يدفعه لقيادتهم وممارسة العنف عليهم. السلطة الشرعية: هي السلطة التي يختارها الفرد بناءً على عقد وتستند إلى قواعد عقلانية ، حيث ينبع العنف من رغبة الفرد في إرساء الأمن. ← يمكن ملاحظة أن العنف قانوني عندما تحتكره الدولة ويمكن استخدامه لردع الأفراد الذين يخلّون بالنظام العام.
ب) موقف غاندي Gandhi "مباهج الفلسفة" ص 151.
تبنى الزعيم الهندي غاندي شعاراللاعنففي مواجهة عنف بريطانيا المستعمرة، فكان يدعو إلى مواجهة كل أشكال العنف بالصداقة والمحبة التي ينبغي أن تعم العالم، وذلك ليس استسلاما منه أو انهزاما، بل لقناعته الراسخة بأن مواجهة العنف بالعنف يؤدي إلى تعميق الكراهية والحقد، مما لا يخدم أي طرف من الأطراف المتصارعة. إن مواجهة العنف هو جزء من الصراع ضد الشر، وهذا الصراع ينبغي أن يتأسس على مبادئ أخلاقية، تتجسد في مواجهة العنف الفيزيائي بمقاومة روحية، شعارها التآخي والمحبة، ويقول غاندي ليلخص أطروحته:"إن اللاعنفهو القانون الذي يحكم النوع الإنساني، مثلما أن العنف هو القانون الذي يحكم النوع الحيواني".
3) خلاصة تركيبية:
يتضح من خلال هذه المواقف أن إضفاء المشروعية على العنف جاء نتيجة لممارسة الإنسان للعنف اللامشروع، وذلك من أجل مواجهته و الحد منه، بالتالي فقد كان اللجوء إلى العنف من طرف الدولة مدفوعا بتفشي ظاهرة العنف الفردي والجماعي الذي يمارسه الأفراد خارج القانون، مما دفع بغاندي في صراعه ضد الاستعمار إلى الدعوة إلى القضاء على كل أشكال العنف، ورفع لواء اللاعنف. لتنعم الإنسانية بالأمان والاستقرار.
